ابن تيميه
76
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
ثم من قامت عليه الحجة استحقّ العقوبة ، وإلا كان بعده ونقصه وانخفاض درجته وما يلحق في الدنيا والآخرة من انخفاض منزلته وسقوط حرمته وانحطاط درجته هو جزاؤه ، واللّه حكم عدل لا يظلم مثقال ذرة وهو عليم حكيم لطيف لما يشاء ، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، وله الحمد في الأولى والآخرة ، وله الحكم وإليه ترجعون . [ الكلام في الأحكام الشرعية لا يستدلّ عليه إلا بالأدلة الشرعية ] الوجه الخامس : أن الكلام في الأحكام الشرعية مثل كون الفعل واجبا أو مستحبا أو محرما أو مباحا لا يستدلّ عليه إلا بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار . والأدلة الشرعية كلها مأخوذة عن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم فالمتكلّمون فيها سواء اتفقوا أو اختلفوا كلهم متفقون على الإيمان بالرسول وبما جاء به ووجوب اتباعه وأن الحلال ما حلّله ، والحرام ما حرّمه ، والدين ما شرّعه ، فالكلام فيها يستلزم الإيمان بالأنبياء وموالاتهم ، ووجوب تصديقهم واتباعهم فيما أوجبوه وحرّموه ، والقائل منهم عن فعل إنه حرام أو مباح أو واجب ؛ إنما يقول : إن الرسول حرّمه أو أباحه أو أوجبه ، ولو أضاف الإيجاب والتحريم والإباحة إلى غير الرسول لم يلتفت إليه ، ولم يكن من علماء المسلمين . وأهل الإسلام متفقون على هذا الأصل سنّيهم وبدعيهم ؛ كلّهم متّفقون على وجوب اتباع ما بلغه الرسول عن اللّه ، وعلى الاستدلال بالقرآن والسنة المعلومة المفسرة لمجمل القرآن . وأما المخالفة لظاهر القرآن فمن الخوارج من نازع فيها ، وهو فاسد من وجوه كثيرة . ومن ردّ نصا إنما يرده ؛ إما لكونه لم يثبت عنده عن الرسول ، أو لكونه غير دال عنده على محل النزاع ، أو لاعتقاده أنه منسوخ ، ونحو ذلك . كما قد بسطت الكلام فيه على ما كتبته في ( رفع الملام عن الأئمة الأعلام ) وبيّنت أعذارهم في هذا الباب ، وإن كان الواجب هو اتباع ما علم من الصواب مطلقا . والكلام في ذلك سواء تعلق بحقوق الرب أو حقوق رسوله أو غير ذلك ، لا يدخل شيء من ذلك في مسائل سبّ الأنبياء وتنقّصهم ومعاداتهم ، وإن كان المتكلم من هؤلاء مخطئا ، فإن مصيبهم ومخطئهم إنما مقصوده اتباع الرسول ، وتحريم ما حرّمه ، وإيجاب ما أوجبه ، وتحليل ما حلّله ، وهذا مستلزم لإيمانه بالرسول وموالاته وتعظيمه ، فكيف يتصوّر مع ذلك أن يكون قاصدا لمعاداته أو سبّه أو التنقص به ، أو غير ذلك ؟ هذا ممتنع . ولهذا لم يكن في المسلمين من جعل أحدا من هؤلاء سبّابا للأنبياء معاديا لهم ، وإن قدّر أنهم أخطئوا ، وهذا أمر واضح يعرفه آحاد الطلبة .